محمد أبو زهرة

2002

زهرة التفاسير

وإما بحرمان من يشاء وإعطاء من يشاء ، وفي ذلك إثارة للبغضاء والعداوة بينهم . وقد قرر العلماء في كل بقاع العالم أن أعدل نظام للميراث هو نظام القرآن الكريم ، ولكن وجد من بيننا من يحاربه ، بل وجد من يزعمون أنهم مفسرون للقرآن من يدعى نسخه ، وصدق رسول الله تعالى إذ يقول : « إن الفرائض أول علم ينسى » « 1 » وقد ذيل الله تعالى الآية بقوله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وفي هذا إشارة إلى أن شرعه أحكم شرع ، لأنه شرع من يعلم كل شئ ، من يعلم الماضي والقابل ، والعدل على أتم وجوهه ، والمصلحة المستقرة الثابتة التي لا تعبث بها الأهواء ثم هو عليم بمن يخالفه ويعصيه ، ومن يطيعه ويرضى حكمه . وتجب الإشارة هنا إلى أمر بيانى يقتضى تمام التفسير ذكره هو أن الله تعالى يقول يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وهنا لم يبين في السؤال موضع الاستفتاء ، ولكن الإجابة بينته فاستبان ، ويلاحظ أنهم سألوا النبي ولكن الله تولى الإجابة هو ، فقال قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ونجد في مثل هذا المقام يقول الله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ( 220 ) [ البقرة ] . ولم يسند الأمر إلى ذاته العلية كما أسنده هنا فما السر ؟ السر في ذلك هو تأكيد أن شرع الميراث منسوب للذات العلية ، وهو الذي يتولى الشرح ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى الشرح عنه في كثير ، فهنا قد تولى هو توثيقا للحكم وتأكيدا له وتربية للمهابة . ويلاحظ أن أحكام الميراث كلها أسندها العلى الحكيم ، العليم الخبير لنفسه ، فابتدأ آياتها في أول السورة بقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ( 11 ) [ النساء ] وختمها بأن الميراث كله وصية الله تعالى ، فقال تعالت كلماته : . . . وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 12 ) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) [ النساء ] .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .